علي بن أحمد المهائمي
249
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ، وخبر الحق صدق ، وقد تيسّر ذلك لهذا العبد المشار إليه ، فلزمت النتيجة التي هي الإجابة ، ولا بدّ بخلاف غيره من المتوجهين المذكور شأنهم . فاعلم ذلك تفز بأسرار عزيزة وعلوم غريبة لم تنساق إليها الأفكار والأفهام ، ولا رقمتها الأنامل بالأقلام ، واللّه المرشد . نصّ شريف : اعلم أن أعلى درجات العلم بالشيء أي شيء كان ، وبالنسبة إلى أي عالم كان ، وسواء كان المعلوم شيئا واحدا أو أشياء ، إنما تحصل بالاتحاد بالمعلوم وعدم مغايرة العالم له ؛ لأن سبب الجهل بالشيء المانع من كمال إدراكه ليس غير غلبة حكم ما به يمتاز كل واحد منهما عن الآخر ، فإن ذلك بعد معنوي ، والبعد حيث كان مانع من كمال إدراك العبد البعيد ، وتفاوت درجات العلم بالشيء بمقدار تفاوت غلبة حكم ما به يتّحد العالم بالمعلوم ، وإنه القرب الحقيقي الرافع للفصل الذي هو البعد الحقيقي المشار إليه بأحكام ما به المباينة والامتياز . وإذا شهدت هذا الأمر وذقته بكشف محقق علمت أن سبب كمال علم الحق بالأشياء إنما هو من أجل استجلائه إيّاها في نفسه ، واستهلاك كثرتها وغيريتها في وحدته ، فإن كينونية كل شيء في أي شيء كان ، سواء كان المحل معنويّا أو صوريّا ، إنما يكون ويظهر بحسب ما تعين وظهر فيها . ولهذا نقول : الحق علم نفسه بنفسه ، وعلم الأشياء في نفسه بعين علمه بنفسه ، ولما ورد الإخبار الإلهي بأن اللّه تعالى : « كان ولم يكن معه شيء » « 1 » . انتفت غيرية الأشياء بالنسبة إلى الوحدة التي هي محلها العيني ، وثبتت أولية الحق من حيث الوحدة . وبامتياز كثرة الأشياء المتعقلة ثانيا ، الكامنة من قبل في ضمن الوحدة ، والجمع بينهما وبين الوحدة بالفعل ، ظهر الكمال المستجن في الوحدة أولا ، فانفتح بذلك باب كمال الجلاء والاستجلاء الذي هو المطلوب الحقيقي ، وظهرت أحكام الوحدة في الكثرة ،
--> ( 1 ) رواه النسائي في السنن الكبرى ( 6 / 363 ) ، والطبري في التفسير ( 12 / 4 ) .